الشيخ عبد الرحمن شيبان في حوار لجريدة البصائر.. حياة كلها مع العلم والعلماء

الشيخ عبد الرحمن شيبان في حوار لجريدة البصائر.. حياة كلها مع العلم والعلماء

1 – سماحة الشيخ هل لكم أن تعرّفوا قراء البصائر بالأسباب التي كانت وراء تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورسالتها؟

 

ج: الشيخ شيبان: إن رسالة جمعية العلماء التي تأسست لتحقيقها ، هي ترشيد الشعب الجزائري إلى فهم ذاته، والتكيف بها إلى ما ينهض به من كبوته، وتحريره من الاحتلال الفرنسي الجاثم على صدره منذ قرن، وذلك ببث الوعي الإسلامي الوطني في صفوفه، بإحياء مقومات شخصيته بالتربية، والتعليم، والوعظ والإرشاد..

فيعتصم بعقيدته الإسلامية مطهرة من الخرافة والإلحاد ، ويُحي لغته العربية في لسانه وقلمه، ويستنير بتاريخه الحافل بالأمجاد، ويتسلح بوحدته الوطنية ، ويطرد من نفسه الخوف من قوة العدو المحتل، واليأس من رحمة الله ونصره، ويُشمر على ساعد الجد بتوفير كل ما يقدمه ويُرقيه في جميع المجالات الحياتية، ويرفع شأنه في العالمين، وَفقا لقولة الإمام ابن باديس في افتتاحية الجزء الأول من “الشهاب الشهري”تستطيع الظروف تكييفنا ولكنها لا تستطيع -بإذن الله- إتلافنا» ( الشهاب ص3 م الخامس 1347-1348هـ/1929ـ 1930) فمن طبيعة الشعوب والأمم أن تتعرض لمختلف الأمراض في حياتها الجسمية، فتحتاج إلى أطباء يعالجونها لتُعفى وتشفى، فتستأنف نشاطها في صمودٍ وأمل؛ فكذلكم الشعوب والأمم تحتاج إلى أطباء ماهرين، من المصلحين الاجتماعيين، يداوونها مما تتعرض له من الأمراض المعنوية التي تصيب طاقاتها بالشلل والتعطيل، وهذه هي رسالة جمعية العلماء، نحو الشعب الجزائري، انطلاقا من الآية القرآنية 104من سورة آل عمران:} وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ{.

البصائر: ما هي الوسائل والطرق التي استعملتها إدارة الاستعمار الفرنسي لمحاربة جمعية العلماء وعرقلتها عن تحقيق أهدافها؟

ج: الشيخ شيبان: استعملت إدارة الاحتلال كل الوسائل الإدارية والإجراءات الزجرية لمحاربة جهود العلماء وعرقلتهم عن تأدية مهمتهم الإصلاحية، فلجأت إلى وسائل الحبس والنفي والتغريم، بالإضافة إلى الاستنطاقات البوليسية والمداهمات لمساكن العلماء، وتهديد أنصار الجمعية ومتابعتهم، والتضييق عليهم في وظائفهم وتجارتهم…

وسنت القوانين التعسفية الظالمة مثل قانون شوتان الصادر في 8 مارس 1938 والذي يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، وبالتالي فإن كل من يعلم اللغة العربية بدون رخصة إدارية من فرنسا يتعرض إلى السجن، ولكن الرخصة لا تعطى في الغالب لمن يطلبها. أما المساجد فقد كانت ممنوعة على العلماء، ولذلك اضطر العلماء لتأسيس المساجد الحرة ليتمكنوا من التواصل مع جماهير المؤمنين فيها وتبليغ خطابهم ، وتعرضت صحف الجمعية إلى التعطيل في عدة مرات ، ولهذا يمكن القول أن فرنسا قد استعملت كل الوسائل لمحاربة الجمعية وعرقلتها عن أداء مهامها.

البصائر: هل تشرحون للقراء الأسباب التي كانت وراء انسحاب الشيخ الطيب العقبي – عليه رحمة الله – من قيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين؟

ج: الشيخ شيبان : الشيخ الطيب العقبي هو من العلماء الكبار الذين يستحقون الإشادة بعلمهم ومكانتهم وفصاحتهم، وقد كان له تأثير مباشر في الجزائر عامة وفي سكان العاصمة بصفة خاصة.

وإدراكا من الاستعمار الفرنسي الخبيث للمكانة المرموقة للشيخ الطيب العقبي من الناحية العلمية والنضالية، دبر له مكيدة اغتيال المفتي كحول. وقد وقع الاختيار على المفتي كحول لأنه كان من أبرز المناهضين لجمعية العلماء، حيث أرسل برقية إلى الإدارة الفرنسية يطالبها فيها بعدم تسليم الأوقاف إلى المسلمين (كما كانت تطالب بذلك الجمعية) وإبقائها تحت السيطرة الفرنسية.

كانت الغاية من اتهام الشيخ الطيب العقبي في قضية اغتيال المفتي كحول هي إفشال المؤتمر الإسلامي سنة 1936 والذي وحد الأمة الجزائرية وطلائعها الاجتماعية والفكرية والسياسية بزعامة الإمام عبد الحميد بن باديس.

ونظرا لأهمية الشيخ الطيب العقبي في الحركة الإصلاحية وفي قيادة الجمعية تخلى الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس عن كل مشاغله في قسنطينة وحضر إلى العاصمة لمتابعة محاكمة الشيخ العقبي.

ولكن هذه المكيدة الاستعمارية وما نتج عنها من محنة أصابت معنويات الشيخ الطيب العقبي سببت له شيئا من الضعف، فعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في سنة 1939، طلب الشيخ العقبي من قيادة الجمعية أن تبعث برقية باسم جمعية العلماء تعبر عن تأييدها لفرنسا ضد أعدائها الألمان. ولكن امتنع كل العلماء وعلى رأسهم الإمام ابن باديس عن تأييد فرنسا، فقال الشيخ العقبي موجها خطابه لابن باديس: أنت ليس لك أبناء، أما أنا فإني مسؤول عن ثمانية أولاد!

فرد الإمام ابن باديس قائلا: أنا عندي 8 ملايين ابن (يقصد كل أفراد الشعب الجزائري آنذاك)!

وبعد هذه الحادثة انفصل الشيخ الطيب العقبي عن بقية إخوانه في قيادة الجمعية وأعاد بعث جريدته “الإصلاح” للتدليل على أنه غادر قيادة جمعية العلماء ولكنه لم يتخل عن نشاطه الإصلاحي.

البصائر :حدثونا بإيجاز عن دوركم في معاهد جمعية العلماء وفي صحافتها قبل الثورة؟

ج: الشيخ شيبان  : لقد عشت حياة إصلاحية علمية، وكانت المرحلة الأولى منها في زاوية الشيخ بن سحنون ببني وغليس في زواوة زاوية إصلاحية كانت خالية من البدعة والشعوذة من الناحية الدينية، ومنزهة عن العمالة للاستعمار من الناحية السياسية.

ثم التحقت بجامعة الزيتونة مبكرا، وتابعت بحماس نشاط حركة الإصلاح في الجزائر فكنت أقرأ صحافتها وأساهم في اجتماعاتها، ولما تخرجت من الزيتونة التحقت بمعهد عبد الحميد بن باديس بطلب من الشيخ الرئيس محمد البشير الإبراهيمي، حيث جاء إلى منزلنا العائلي فطلب من والدي – رحمه الله – أن يأخذني معه إلى قسنطينة للتعليم في معهد عبد الحميد بن باديس فأذن الوالد في ذلك، وفي قسنطينة قدمني الشيخ الرئيس الإبراهيمي إلى الشيخ الشهيد العربي التبسي مدير المعهد، فأصبحت أستاذا بالمعهد وتوليت الإشراف على الحركة الأدبية فيه.

وكنت من الكتاب الدائمين في جريدة “البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .

لقد بقيت وفيا لمبادئ الجمعية والحركة الإصلاحية في خطها العلمي والإصلاحي، وكذلك في كل المهام التي توليتها في المجلس الوطني التأسيسي كمنسق لمجموعة نواب سطيف، ومقررا للجنة التربية، وفي المجلس الوطني التأسيسي وفقنا الله تعالى إلى تثبيت مادتين أساسيتين في الدستور الجزائري المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة، والمادة الثالثة منه التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية للجزائر، في حين كان التيار اللائكي يريد إفراغ الدستور الجزائري من روحه الإسلامية والعربية بالنص على أن الإسلام دين الشعب، وأن اللغة العربية هي لغة الشعب وبالتالي إبعاد الدولة وكل مؤسساتها عن أي التزام أو حماية للإسلام واللغة العربية.

وبقيت وفيا لمبادئ جمعية العلماء في وزارة التربية الوطنية أثناء تقلدي مهمة مفتش عام بالوزارة ، وكذلك في وزارة الشؤون الدينية التي توليتها لمدة 6 سنوات (1980-1986) فساهمت في إحياء آثار رجال جمعية العلماء ونشر رسالتها والدفاع عن مبادئها.

لقد عشت حياتي كلها مع العلم والعلماء.

البصائر: كتبتم كثيرا، سماحة الشيخ عن تلك المغالطة، أو الفرية التاريخية التي تدعي أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تلتحق بثورة التحرير إلا في سنة 1956، لماذا؟

ج: الشيخ شيبان  : لأنه من واجبنا أن نصحح الحقائق، وأن نفند الأباطيل  ولعلكم تشيرون في سؤالكم إلى سلسلة المقالات التي كتبتها في السلسلة الرابعة من جريدة “البصائر” تحت عنوان”حقائق وأباطيل” وهي ستصدر إن شاء الله تعالى في كتاب مستقل.

فمن الظلم والتنكر والحيف أن تروج الأباطيل عن دور جمعية العلماء في ملحمة تحرير الشعب الجزائري.

لقد أصدرت جمعية العلماء المسلمين بلاغا بتاريخ 18 جوان 1954 منشورا في جريدة البصائر العدد 276 بتاريخ 24 شوال 1373هـ الموافق لــ 25 جوان 1954 يعبر عن يأس الجمعية من المماطلات الاستعمارية ومن أساليب النضال القديمة، وأقدمه لكم لتنشروه في نص هذا الحوار والبيان يقول:

[ بلاغ من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

المكتب الدائم لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

بعد بحث الموقف الحاضر من ناحية القضية الدينية

وبعد استعراض الألاعيب والدسائس التي تحيكها الحكومة والمجلس الجزائري للعبث بهذه القضية، واستبلاه الأمة، والاستمرار على العدوان الشنيع.

يعلن أن الأمة قد يئست من الحكومة ومن المجلس الجزائري المدلس، ومن عدالة الدولة في هذه القضية.

وأن المحاولات العديدة التي حاولتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قصد الوصول إلى حل موفق معقول لهذا المشكل لم تأت بنتيجة.

وأن الحكومة والمجلس الجزائري المزيف قد أظهرا من سوء النية أثناء دراسة هذه القضية، ومن الغربة الجامحة في إبقاء الدين الإسلامي أسيرا والمساجد مغتصبة والأوقاف مسروقة، ما جعل الاستمرار على السعي معهما في إيجاد حل عادل ضربا من العبث والاستكانة.

وهو يعتقد على ضوء الحوادث، وقياسا على كل ما وقع، أن هذه القضية الدينية لا تجد حلا عادلا إلا ضمن حل كامل للقضية الجزائرية التي هي وحدة لا تتجزأ .

وأن الأمة الجزائرية يجب عليها في الساعة الحاضرة وفي مستقبل الأيام أن تتوجه بكليتها لمحاولة حل قضيتها العامة، حلا عادلا يتناسب مع التطور العالمي الحديث.

الجزائر 18 جوان 1954

المكتب الدائم.]

هذا قبل اندلاع الثورة بأكثر من أربعة أشهر، ولما اندلعت الثورة كانت جمعية العلماء في طليعة من سارع  إلى مساندتها عن طريق الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ الفضيل الورتلاني – عليهما رحمة الله – ببيان أصدراه في القاهرة يوم 3 نوفمبر  1954 ثم البيان المنشور في كتاب “الجزائر الثائرة” للورتلاني يوم 15 نوفمبر 1954.

وفضل الجمعية الهام أنها لم تكتف بالمساندة والمشاركة في الثورة بمنظمتيها جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني، ولكنها أخرست كل صوت يريد التشكيك في شرعية الجهاد، وهذا ما لم يتوفر في كفاح رائد المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر – عليه رحمة الله – حيث تصدى بعض رجال الدين للتشكيك في شرعية الجهاد، مما جعل مقاومته لا تكلل بالنجاح بالإضافة إلى نقص العنصرين الأساسيين الآخرين وهما نضج الشعب ومواتاة الظروف الخارجية، لأن نجاح كل مقاومة أو ثورة يتطلب 3 شروط أساسية: هي: الأول- رشد القيادة (وكانت متوفرة بامتياز في شخصية الأمير عبد القادر)، والثاني: نضج الشعب، والثالث: مواتاة الظروف الخارجية.

وبالعودة إلى دور الجمعية فقد شاركت بأعضائها وأنصارها منذ البداية -وكل حسب الاستطاعة- في مصالح الثورة وأجهزتها العسكرية والمدنية، لذلك أرى أنه من البهتان والافتراء على التاريخ الوطني ترويج المقولة التي تدعي أن الجمعية لم تلتحق بالثورة إلا في سنة 1956.

البصائر: لماذا أوقف نشاط جمعية العلماء الجزائريين بعد استرجاع  الاستقلال الوطني وما هي الحجة التي استعملت لذلك؟

ج: الشيخ شيبان  : الحجة التي اتخذت لمنع الجمعية من مواصلة نشاطها هي العمل بمبدإ وحدة الحزب والدولة ، والقاضي بعدم السماح بأي نشاط خارج جبهة التحرير الوطني ولكن دعني أحيلك في هذا الموضوع على الافتتاحية التي كتبتها في العدد السابع من السلسلة الثالثة لجريدة “البصائر” بعنوان:” الحقيقة الخالدة ” وقلت فيه :” في فجر الاستقلال، الذي تحقق بفضل الله، ثم بفضل الجهاد والاستشهاد، رفعت شعارات وأعلنت مبادئ  مثل: وحدانية الحزب، المركزية الديمقراطية، لائكية الدستور، الاشتراكية العلمية، الثورة الزراعية التي لا رجعة فيها، وما يستدعي ذلك من لعن للرجعية والبورجوازية والإقطاعية …وأصبحت مؤسساتنا التعليمية، وشوارع مدننا، ووسائل إعلامنا تلهج بذكر أسماء أعلام أجنبية مستوردة، أمثال ماركس، وماو وشي غيفارة…وجاء الميثاق الوطني سنة 1976 يقرر في الصفحة (28) أن “الاشتراكية تمتاز على الأنظمة الاجتماعية السابقة – والإسلام منها – بأنها التنظيم الاجتماعي الأكثر عقلانية وعدالة وإنسانية…”أضف إلى ذلك حملات الاستخفاف بالإسلام عبادة وعابدين ومعابد، كوصف المؤذنين بأنهم “كلاب الدوار” ووصف منارات المساجد بأنها “الصواريخ التي لا تنطلق” إلى غير ذلك من التصرفات التي تستفز مشاعر المؤمنين والمؤمنات.

ومن جهة أخرى فقد منعت “جمعية العلماء” بقيادة الشيخ البشير الإبراهيمي ، المشهود له بالإمامة في المغرب وفي المشرق من مواصلة رسالتها التوجيهية، فحرمت الجماهير الشعبية من قيادة علمية حرة، تتمتع بمصداقية في دعوتها إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ففتح الباب على مصراعيه لكل مذهب وافد من هنا وهناك ظاهريا وباطنيا…

ذلكم كان عهد”الاشتراكية العلمية” التي أريد فرضها على الشعب لتكون عقيدته التي لها يحيا وعليها يموت…!! لكن الشعب ظل يردد في أعماق نفسه الآية 85 من سورة آل عمران :} وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ{.

لذلك كان توقيف الجمعية بعد استرجاع الاستقلال باعتبارها تمثل تيار الإسلام الوسطي الإصلاحي سببا في اضطراب أو غياب المرجعية الدينية في الجزائر.

البصائر: ما هو الدور الذي قمتم به للإصلاح بين الرئيس الأسبق السيد أحمد بن بلة والشيخ محمد البشير الإبراهيمي بعد الخلاف الذي وقع بينهما سنة 1964؟

ج: الشيخ شيبان  : كانت الجزائر تعيش ظروفا معقدة في سنة 1964 وفي ظل هذه الظروف انعقد المؤتمر الثالث لجبهة التحرير الوطني يوم 16 أفريل الذي حدد الخيار الاشتراكي للجزائر، وكان الإمام الإبراهيمي – عليه رحمة الله – يرى أن الجزائر قد بدأت تنحرف عن المبادئ الإسلامية والقيم التي ضحى من أجلها الشهداء – عليهم رحمة الله – فكتب بيانا هذا نصه :

[ البيان التاريخي

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب الله لي أن أعيش حتى استقلال الجزائر، ويومئذ كنت أستطيع أن أواجه  المنية مرتاح الضمير، إذ تراءى لي أني سلمت مشعل الجهاد في سبيل الدفاع عن الإسلام الحق ، والنهوض باللغة، ذلك الجهاد الذي كنت أعيش من أجله إلى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن ولذلك قررت أن التزم الصمت.

غير أني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – أنه يجب علي أن أقطع ذلك الصمت، إن وطننا يتدحرج  نحو حرب أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها ويواجهة مشاكل اقتصادي عسيرة الحل.

ولكن المسؤولون فيما يبدو لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة والسلام والرفاهية وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية لا من مذاهب أجنبية.

لقد آن للمسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وأن لا يقيموا وزنا إلا للتضحية والكفاءة وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم، وقد آن  يرجع لكلمة الأخوة التي ابتذلت معناها الحق، وأن نعود إلى الشورى التي حرص عليها النبي -صلى الله عليه وسلم -.

وقد آن أن يحتشد أبناء الجزائر كي يشيدوا جميعا مدينة تسودها العدالة والحرية “مدينة ” تقوم على تقوى من الله ورضوان.

الجزائر في 16 أفريل 1964م محمد البشير الإبراهيمي]

ولقي هذا البيان صدى واسعا في الصحافة الدولية، الشيء الذي أغضب الرئيس أحمد بن بله لأنه اعتقد أن الشيخ الإبراهيمي قد تعمد إحراجه ودعم خصومه السياسيين في الداخل والخارج، والتشويش على مؤتمر جبهة التحرير الوطني.

بعثت فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا بيان استنكار وتحريض على الشيخ الإبراهيمي، وبعد تلاوة بيان فيدرالية فرنسا في المؤتمر تناول الرئيس أحمد بن بلة الكلمة ومما قال فيها: إنه طلب من الشيخ الإبراهيمي عندما كان في القاهرة أن يصدر فتوى لتأييد الكفاح المسلح في الجزائر واعتباره جهادا، ولكن الشيخ الإبراهيمي رفض ذلك… وأضاف الرئيس ابن بله أن له شهودا على ذلك وأكبرهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر – رحمه الله – وتكهربت الأمور أكثر عندما تم الإعلان خلال أشغال المؤتمر بأن هناك برقيات أخرى ستتلى على المؤتمرين بخصوص استنكار بيان الشيخ الإبراهيمي.

على إثر ذلك قمت بإجراء اتصالات ببعض الوجوه البارزة من جمعية العلماء المسلمين لإيجاد طريقة فعالة وسريعة لاحتواء الوضع قبل أن يصل درجة الانفجار ولكن الإخوان الذين اتصلت بهم بدا وكأنهم أصيبوا بالصدمة وتجاوزهم تطور الأوضاع.

ونصحني السيد الشريف بلقاسم (المعروف بالرائد جمال) وكان من أقطاب جماعة العقيد هواري بومدين – عليه رحمة الله –وزير الدفاع الوطني آنذاك، بأن اتصل شخصيا بالرئيس أحمد بن بله وأن أكلمه في الموضوع بلا وساطات.

وفعلا اقتربت من الرئيس أحمد بن بلة وجلست في المقعد خلفه، وبعد أن التفت إلي ألقيت عليه التحية، ثم حدثته مباشرة في موضوع الشيخ الإبراهيمي ورجوته أن يأمر بعدم قراءة البرقيات المنددة ببيان الشيخ الإبراهيمي التي كانت ستتلى في المساء على مسامع المؤتمرين وأن يطلب من الإعلام أن يتفادى تأزيم الأجواء وتغذية الخلاف.

وفعلا استجاب السيد الرئيس أحمد بن بله لرجائي وتم بذلك احتواء عوامل تصعيد الخصومة بين الرئيس وبين الشيخ الإبراهيمي، وقد شجعتني هذه النتائج الإيجابية الطيبة على أن أطلب من الرئيس أحمد بن بله أن يقوم بزيارة الشيخ الإبراهيمي في منزله لتهنئته بالعيد، فوافق على طلبي وتوجهت في صحبته إلى منزل الشيخ الإبراهيمي الذي رحب بكل حفاوة بالرئيس، ومن المشاهد التي أثرت في خلال هذا اللقاء التاريخي هي عندما خاطب الرئيس أحمد بن بله الشيخ الإبراهيمي قائلا: أعاهدك أن أظل  وفيا للإسلام وللعربية ما حييت.

وهذه الحادثة أشار إليها السيد أحمد بن بله في حواره الهام مع قناة “الجزيرة” الفضائية في حصة “شاهد على العصر” مع الصحفي اللامع أحمد منصور، كما كتب الشاعر الأستاذ الشيخ حمزة بوكوشة  – رحمه الله- قصيدة مشهورة أشاد فيها بالدور الذي قمت به للإصلاح بين الشيخ الإبراهيمي والرئيس أحمد بن بله.

البصائر: ما هي المساعي التي قمتم بها لإعادة بعث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد إقرار حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي والمدني في دستور فيفري 1989؟

ج: الشيخ شيبان : اغتنمت فرصة إقرار التعددية وحق إنشاء الجمعيات وخاطبت في ذلك مجموعة من زملائنا في الجمعية من القدماء والشباب واتفقنا على تحريك الملف في وزارة الداخلية وعندما حصلنا على الاعتماد القانوني انتخبنا هيئة قيادية للجمعية وأسندت الرئاسة إلى الشيخ المرحوم أحمد حماني نظرا لسابقته في جمعية العلماء وانتخبت أنا نائبا أولا للرئيس والشيخ المرحوم علي مغربي نائبا ثانيا، والشيخ إبراهيمي مزهودي -أطال الله عمره- نائبا ثالثا .

 

وكان من أعضاء المكتب الوطني الأساتذة : سليمان بشنون ، مولود طياب، أحمد شقار الثعالبي ، عمر برامة، المرحوم  الطاهر فضلاء، أحمد بري ، الطاهر لطرش …

وتوليت  رئاسة تحرير السلسلة الثالثة من ” البصائر” طوال مدة صدورها (1992-1993) وتحملت أعباء تسييرها ماليا و أدبيا.

وقد تعطل نشاط الجمعية  وتوقفت ” البصائر” عن الصدور بسبب أحداث المأساة الوطنية.

ثم جددت الكرة في سنة  1999 مع الإخوان ، فطعمنا المكتب الوطني بعناصر جديدة من الشباب بالإضافة إلى الوجوه القديمة والتاريخية، وأعدنا إصدار البصائر في سلسلتها الرابعة والتي قطعت 6 سنوات من الصدور المنتظم والمتواصل –بفضل الله –ونحن نواصل مهامنا بما نستطيع، والله سأل أن يثبتنا على هذا الخط.

البصائر – سماحة الشيخ ماذا تقولون لنا في الأخير وما هي أهم الإنجازات في مسيرة الجمعية حاليا؟

ج: الشيخ شيبان -أهم الإنجازات هو إعادة إصدار البصائر وتطويرها من حيث الشكل والمحتوى وانتظام الصدور ، والإنجاز المهم الآخر هو استعادة الجمعية لنادي الترقي ذلك المعلم التاريخي الذي احتضن ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأترحم بالمناسبة على روح المناضل الصلب الوفي المؤمن المرحوم عمر عيشون  رفيق الشيخ المرحوم الطيب العقبي الذي حفظ النادي. والنادي يشهد حاليا نشاطا أسبوعيا مثمرا، كما احتضن العديد من النشاطات الثقافية والفكرية التي نظمتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مناسبات دينية ووطنية.

والإنجاز الآخر الذي أوليه أهمية قصوى هو عملية تنصيب وتجديد شعب الجمعية في كل ولايات القطر الجزائري تقريبا.

وفي طليعة هذه الشعب نشاطا وفعالية شعبة ولاية قسنطينة التي استطاعت في ظرف زمني قصير أن تنظم تظاهرتين وطنيتين كبيرتين أولاهما كانت في شهر ديسمبر 2005 تمثلت في تكريمي بصفتي رئيسا للجمعية   الثانية كانت خلال يومي 9و10 ماي الجاري باحتضان حفل إحياء الذكرى 75 لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والذكرى 66 لوفاة مؤسس الجمعية الإمام الشيخ المرحوم عبد الحميد بن باديس

ويرأس  هذه الشعبة كما هو معروف الأستاذ الموهوب مصطفى بن عبد الرحمن، وأقول لا غرابة أن يتمتع هذا الشاب بكل تلك المواهب والطاقات المؤهلة للنجاح والتفوق لأن أمه كانت من بين تلميذاتي في مدرسة التربية  والتعليم  بقسنطينة عندما كنت أستاذا منتدبا من معهد عبد الحميد بن باديس لتدريس الأقسام العليا في مدرسة التربية والتعليم.

وختاما أسأل الله تعالى أن يمدنا بعونه وتأييده لإبقاء رسالة جمعية العلماء حية مشعة مثمرة.

 

* عن جريدة البصائر – بتصرف

آخر التغريدات: