أباة الضيم

أباة الضيم

أباة الضيم هم الممتنعون من الذل الذين يختارون المنية على الدنية يستطيبون الموت في العز على الحياة في الذل يعملون أن الموت في العز راحة وشرف وأن الحياة في الذل عذاب ومهانة. وقد كان هؤلاء في رجالات العرب والإسلام كثيرا عددهم، مشهور مواقفهم بل كاد يكون هذا الخلق يكون عاماً في العرب والإسلام، في تلك الأيام.

لرجالات هذا الخلق العظيم أخبار محفوظة في كتب التاريخ وكلمات من نظم ونثر مدونة في دواوين الأدب وأن في تلك الأخبار والكلمات لخير مرب للنفوس، ومنهم للأدب، ومكمل للعلم ولذا أردنا أن ننشر شيئا من تلك الأخبار والكلمات في هذا الباب من المجلة لما فيه من القصة والتربية والعبرة. وقد اعتمدنا فيما نقلناه على شرح الإمام عبد الحميد بن أبي الحديد لكتاب نهج البلاغة المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

علي بن أبي طالب – رضي الله تعالى عنه –

قال لأصحابه لما غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات بصفين ومنعوا أصحابه من الماء : “الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين” فهذه الكلمة هي الحقيقة التي من فقهها وتشرب قلبه معناه كان من أُباة الضيم. فإن حياة المقهورة آلام متوالية وغصص متتابعة وهو في كل لحظة يتجرع من مرارة شعوره بالقهر ما هو أعظم بكثير مما يذوقه من الموت ينقضي سريعًا وما يتجرعه من مرارة القهر متجدد في اللحظات.

وإن الموت القاهر يشعر عندها بعزة وكرامة، فيهما من اللذة للروح والنعيم للقلب ما يساوي حياة الادهار. فلا جرم كانت موت القاهر حياة.

الحسين بن علي – عليهما السلام –

ذكر الحافظ بن حجر في “الإصابة” أن حسينا – رضي الله تعالى عنه – قال : لعمر بن سعد بن أبي وقاص وهو أمير الجيش الذي وجهه عبيد الله بن زياد لقتاله : قال له اختر مني إحدى ثلاث إما أن ألحق بثغر من الثغور وإما أن أرجع إلى المدينة وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية (يعني مبايعة يزيد نفسه مباشرة دون واسطة ابن زياد) فقبل ذلك عمر منه وكتب به إلى عبيد الله فكتب إليه : لا أقبل منه حتى يضع يده في يدي (يعني أن يبايعه حسين – ض-) فامتنع الحسين فقاتلوه فقتل معه أصحابه وفيهم سبعة عشر شاباً من أهل بيته.. فأبى – عليه السلام – من الذل لابن زياد واختار الموت عليه. ولم يكن سبب القتال امتناعه من مبايعة يزيد وإنما كان ابايته من ذل المبايعة لابن زياد كما هو صريح ما نقله الحافظ وكما هو مستفاد من الكلام التالي لابن أبي الحديد. قال :

“سيد أهل الأباء الذي علم الناس الحمية والموت تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنية أبو عبيد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. عرض عليه الأمان وأصحابه فأنف من الذل وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله فاختار الموت على ذلك. وسمعت النقيب أبا زيد يحي بن زيد العلوي البصري يقول كأن أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطامي ما قيلت إلا في الحسين عليه السلام.

وقد كان فوت الموت سهلا فرده

إليه الحفـاظ المر والخلق الوعـر

ونفـس تـــعــاف الضيم كــأنــــه

هو الكفر يوم الروع أو دُونَهُ الكفر

فاثبت في مستنقع الموت رجْلـهُ

وقال لها من تحت اخمصك الحشر

تردى ثياب الموت حمـرا فما أتي

لها الليل إلاَّ وهي من سندس خضر

ومن كلام الحسين عليه السلام يوم الطف (يوم قتله) المنقول عنه نقلع عنه زين العابدين علي ابنه عليه السلام : إلا وان الدعي ابن الدعي (عبيد الله بن زياد) قد خيرنا بين اثنين السلة (استلال السيوف عند القتال) أو الذلة وهيهات منا الذلة. يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت، وحجر طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية اهـ”.

 

* الشهاب : ج3 م7 – غرة ذي القعدة 1349 هـ – مارس 1931 م.

 

آخر التغريدات: