الحرب الريفية

الحرب الريفية

شاءت الأقدار أن يبرز العدد الأول من جريدة المنتقد ونار الحرب الريفية تشتعللظاها, ويستطير شررها, وتشغل أنباؤها أسلاك البرق وأكياس البريد, وتملأ صفحاتالجرائد والمجلات بالشرق والغرب. قد عرف الناس تفاصيل أخبارهم و ما بقي لناإلا كلمة مختصرة مجملة نشارك بها الكتاب.

 

أسبابها :

سبب هذا الحرب في ظاهرهانزاع على الحدود, الأمير بن عبد الكريم يرى أن فرنسا قد احتلت شمال وادي ورغة, وهو خارج عن منطقتها, ويرى ذلك الاحتلال مضر به سياسيا واقتصاديا, وترى فرنساأنه داخل بمنطقتها, وأنها إذا لم تحتله تخشى من هجوم الأمير الريفي على منطقةاحتلالها, واحتلاله واحتلال مدينة فارس ومبايعته سلطانا على المغرب بتمامه .فأصبح احتلال وادي ورغة كاحتلال الرين, هذا لخشية هجوم الألمان وذلك لخشية الهجومالريفي .

موقف الدول إزاء هذا الحرب :

قد وقفت إنجلترا وإيطاليا في الظاهرموقف الحائد المتفرج, منتظرة منتهى العراك غير أن المطلع على السياسة الدولية والتناحر الاستعماري لا يشك أن هاتين الدولتين لا تسمحان لفرنسا بأن تزداد شيئاتتقوى به في شمال إفريقيا والبحر المتوسط و أما أسبانيا فإنها لما يتقنت أن فرنسالا تطمع في الريف الذي هو موضوع بمعاهدة دولية في منطقة نفوذ أسبانيا, رضيتبالتعاون ما عجزت عنه وحدها.

موقف أحزاب الأمة الفرنسية إزاء الحرب : لقد كانتأحزاب اليمين – وسياستها معروفة – معضدة لفكرة الحرب من أولها ووقف الاشتراكيون فيأول الأمر وقفة المعارضة حتى أقنعتهم الحكومة بأن فرنسا مدافعة غير هاجمة وأنها لاتنوي أخذ شيء من أرض الريف وأنه من واجب شرفها أن تحمي سلطان فاس ورعايته من سلطةالريفيين وتأكدت موافقتهم لما راجع م. بانلوفى من رحلته إلى المغرب و أقنعهم بأنالحرب وطنية ! وأن الحزب الشيوعي فإنه أعلن بمعارضته من أول الأمر ووالى الهجماتعلى الحكومة وسرح خطباؤه بأن الحرب استعمارية محظة حركها الحزب المالي و الحزبالعسكري سرح بوجوب الانجلاء عن أرض الاحتلال, و تجاوزت المعارضة في البرلمان إلىالمظاهرات في الشوارع ونشريات الأوراق في تشذيب الحرب وتثبيط المقاتلين في فرنسا والمستعمرات .

هذا الحرب في نظر الناس : فاجأت هذه الحرب الناس مفاجئة على منظرغريب, فأن القوتين المتقاتلتين فيها لا نسبة بينهما ولا مناسبة فإن الريف أمةقليلة ضعيفة و فرنسا أول دولة حربية في العالم اليوم ثم مع ذلك طالت مدة النظال, واحتاجت فرنسا إلى استعمال الكبراء من قوادها والشيء الكثير من عدتها والاستعانةبجارتها كل هذا والحرب إلى اليوم لم تظهر نتيجتها رأى قوم أن أعداء فرنسا منالبلثغيك والألمان وجدو منفذا إلى مصادمتها و معاكستها و يزيد قوم فيقول : إن بعضأحبابها غير مخلصين لها, مدفوعين بعامل المنافسة, ويد أصحاب رؤوس الأموال منهم.

ثم إن من الناس – حتى الفرنسيون أنفسهم – من يستنكر الحرب في هذه الضروف التيتواجه فيها فرنسا أزمة مالية , و تحتاج فيها إلى اليد العاملة من أبنائها.

ويقول قوم : إنها مظهر من مظاهر العراك العنيف القائم بين الشرق والغرب اليوم.

و يرى قوم : أنها ما هي إلا حرب بين الاستعمار والاستقلال, وأنه إذا اعترافللأمير عبد الكريم بالاستقلال نزع غيره من الشمال الإفريقي منزعه, وفي ذلك خطركبير على الاستعمار وهكذا تختلف الأنظار والأفكار, والحقيقة يكشفها المستقبل ومصير الأمير بيد الله .

ومهما يكن من شيء فإننا نقول : إن الحرب حرب شعواء, كانت فوق ما ضنت فرع بها النبع بالنبع ولقي فيها بنو دارم آل مسمع .

ورأينا : أن فرنسا اليوم تواجه أزمة مالية شديدة و في حاجة إلى اليد العاملة منأبنائها بل إن القوة العسكرية لإرهاب عدوها القوى الحقيقي الألماني , و تتساهل فيمفاوضة الأمير ابن عبد الكريم الذي نعتبره زعيما ثائرا , و هو في الحقيقة صاحب الحقالشرعي في أرض الريف – كما صرح بها م . بانولفى عند مروره بمالقه – لما قال : ” وإني أكرر القول بأنه ينبغي لفرنسا وأسبانيا أن تتفق مع عبد الكريم أنه صاحب السلطةالشرعية بلا منازع ” وأن مسألة استيلاء عبد الكريم على المغرب إذا اعترف باستقلاله، والخوف من ثوران الشمال الإفريقي فبعيدة عن الصواب , فإن الأمير أعقل من أن يغارمثل تلك المغارة العقيمة و رعايا فرنسا أصدق لها واعرف بخيرهم أن يقابلوهابالعدوان.

 

* المنتقد – ع1 – 1925 م.

 

 

آخر التغريدات: