أول خطبة جمعة بمسجد "كتشاوا" بعد الاستقلال

أول خطبة جمعة بمسجد “كتشاوا” بعد الاستقلال

الحمدلله ثم الحمد لله، تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته،جعلالنصر يتنـزل من عنده على من يشاء من عباده حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسدويعلمصدق يقينهم وإخلاص نياتهم وصفاء سرائهم وطهارة ضمائرهم.

 

سبحانهتعالىجعلالسيف فرقانا بين الحق والباطل، وأنتج من المتضادات أضدادها، فأخرج القوة منالضعفوولد الحرية من العبودية وجعل الموت طريقا إلى الحياة، وما أعذب إذا كانللحياةطريقا، وبايعه عباده المؤمنون الصادقون على الموت، فباءوا بالصفقة الرابحة،واشترى من المؤمنين أنفسم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلونويقتلونوعدا عليه حقا?.

سحانهتعالى جده، تجلى على بعض عباده بالغضب والسخطفأحالمساجد التوحيد بين أيديهم إلى كنائس للتثليث، وتجلى برحمته ورضاه على آخرينفأحالفيهم كنائس التثليث إلى مساجد للتوحيد، وما ظلم الأولين ولا حابى الآخرين،ولكنهاسنته في الكون وآياته في الآفاق يتبعها قوم فيفلحون، ويعرض عنها قومفيخسرون.

وأشهدأن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده،وهزمالأحزاب وحده.

وأشهدأن محمدا عبده ورسوله شرع الجهاد في سبيل الله،وقاتللإعلاء كلمة الله حتى استقام دين الحق في نصابه وأدبر الباطل على كثرة أنصارهوأحزابهوجعل نصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة منوطا بالإيمان والصبر، صلى اللهعليهوعلى آله وأصحابه وكل متبع لهداه داع بدعوته إلى يوم الدين.

ونستنزلمنرحماتالله الصيبة، وصلواته الزاكية الطيبة لشهدائنا الأبرار ما يكون كفاء لبطولتهمفيالدفاع عن شرف الحياة وحرمان الدين وعزة الإسلام وكرامة الإنسان وحقوقالوطن.

واستمدمن الله اللطف والإعانة لبقايا الموت وآثار الفناء ممن ابتلوافيهذه الثورة المباركة بالتعذيب في أبدانهم والتخريب لديارهم والتحيفلأموالهم.

وأسألهتعالى للقائمين بشؤون هذه الأمة ألفة تجمع الشمل، ووحدةتبعثالقوة ورحمة تضمد الجراح، وتعاونا يثمر المنفعة، وإخلاصا يهون العسير، وتوفيقاينيرالسبيل، وتسديدا يقوم الرأي ويثبت الأقدام وحكمة مستمدة من تعاليم الإسلاموروحانيةالشرق وأمجاد العرب، وعزيمة تقطع دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطعتدابرهمن الأرض.

ونعوذبالله ونبرأ إليه من كل داع يدعو إلى الفرقة والخلاف،وكلساع يسعى إلى التفريق والتمزيق وكل ناعق ينعق بالفتنة والفساد.

ونحييبالعماروالثمار والغيث المدرار هذه القطعة الغالية من أرض الإسلام التي نسميهاالجزائر،والتي فيها نبتنا، وعلى حبها ثبتنا، ومن نباتها غذينا وفي سبيلهاأوذينا.

أحييكيا مغنى الكمال بواجب وأنفق في أوصافك الغر أوقاتي

يااتباعمحمد عليه السلام هذا هو اليوم الأزهر الأنور وهذا هو اليوم الأغر المحجل،وهذاهو اليوم المشهود في تاريخكم الإسلامي بهذا الشمال، وهذا اليوم هو الغرةاللائحةفي وجه ثورتكم المباركة، وهذا هو التاج المتألق في مفرقها، والصحيفةالمذهبةالحواشي والطرر من كتابها.

وهذاالمسجد هو حصة الإسلام من مغانمجهادكم،بل هو وديعة التاريخ في ذممكم، أضعتموها بالأمس مقهورين غير معذورينواسترجعتموهااليوم مشكورين غير مكفورين، وهذه بضاعتكم ردت إليكم، أخذها الاستعمارمنكماستلابا، وأخذتموها منه غلابا، بل هذا بيت التوحيد عاد إلى التوحيد و عادالتوحيدإليه فالتقيتم جميعا على قدر.

إنهذه المواكب الحاشدة بكم من رجالونساءيغمرها الفرح ويطفح على وجوهها البشر لتجسيم لذلك المعنى الجليل، وتعبير فصيحعنه،وهو أن المسجد عاد للساجدين الركع من أمة محمد، وأن كلمة لا إله إلا الله عادتلمستقرهامنه كأن معناها دام مستقرا في نفوس المؤمنين، فالإيمان الذي تترجم عنهكلمةلا إله إلا الله، هو الذي أعاد المسجد إلى أهله، وهو الذي أتى بالعجائب وخوارقالعاداتفي هذه الثورة.

وأماوالله لو أن الاستعمار الغاشم أعاده إليكم عفوامنغير تعب، وفيئة منه إلى الحق من دون نصب، لما كان لهذا اليوم ما تشهدونه منالروعةوالجلال.

يامعشر الجزائريين: إذا عدت الأيام ذوات السمات، والغرروالشياتفي تاريخ الجزائر فسيكون هذا اليوم أوضحها سمة وأطولها غرة وأثبتها تمجيدا،فاعجبوالتصاريف الأقدار، فلقد كنا نمر على هذه الساحة مطرقين، ونشهد هذا المشهدالمحزنمنطوين على مضض يصهر الجوانح ويسيل العبرات، كأن الأرض تلعننا بما فرطنا فيجنبديننا، وبما أضعنا بما كسبت أيدينا من ميراث أسلافنا، فلا نملك إلا الحوقلةوالاسترجاع،ثم نرجع إلى مطالبات قولية هي كل ما نملك في ذلك الوقت، ولكنها نبهتالأذهان،وسجلت الاغتصاب وبذرت بذور الثورة في النفوس حتى تكلمتالبنادق.

أيهاالمؤمنون: قد يبغي الوحش على الوحش فلا يكون غريبا، لأن البغيمماركب في غرائزه، وقد يبغي الإنسان على الإنسان فلا يكون ذلك عجيبا لأن فيالإنسانعرقا نزاعا إلى الحيوانية وشيطانا نزاغا بالظلم وطبعا من الجبلة الأولىميالاإلى الشر، ولكن العجيب الغريب معا، والمؤلم المحزن معا، أن يبغي دين عيسى روحاللهوكلمته على دين محمد الذي بشر به عيسى روح الله وكلمته.

يامعشرالمؤمنين: إنكم لم تسترجعوا من هذا المسجد سقوفه وأبوابه وحيطانه، ولا فرحتمباسترجاعهفرحة الصبيان ساعة ثم تنقضي، ولكنكم استرجعتم معانيه التي كان يدل عليهاالمسجدفي الإسلام ووظائفه التي كان يؤديها من إقامة شعائر الصلوات والجمع والتلاوةودروسالعلم والنافعة على اختلاف أنواعها، من دينية ودنيوية فإن المسجد كان يؤديوظيفةالمعهد والمدرسة والجامعة.

أيهاالمسلمون: إن الله ذم قوما فقال: ?ومنأظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه?، ومدح قوما فقال: ?إنما يعمر مساجداللهمن آمن بالله و اليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، فعسىأولئكأن يكونوا من المهتدين?.

يامعشر الجزائريين: إن الاستعمار كالشيطانالذيقال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه،ولكنهرضي أن يطاع فيما دون ذلك))، فهو قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالحأرضكم،ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتمإليه،وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.

يامعشر الجزائريين، إن الثورة قد تركتفيجسم أمتكم ندوبا لا تندمل إلا بعد عشرات السنين وتركت عشرات الآلاف من اليتامىوالأيامىوالمشوهين الذين فقدوا العائل والكافل وآلة العمل فاشملوهم بالرعاية حتىينسىاليتيم مرارة اليتم، وتنسى الأيم حرارة الثكل، وينسى المشوه أنه عالة عليكم،وامسحواعلى أحزانهم بيد العطف والحنان فإنهم أبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم.

ياإخواني: إنكم خارجون من ثورة التهمت الأخضر واليابس، وإنكم اشتريتم حريتكم بالثمنالغالي،وقدمتم في سبيلها من الضحايا ما لم يقدمه شعب من شعوب الأرض قديما ولاحديثا،وحزتم من إعجاب العالم بكم ما لم يحزه شعب ثائر، فاحذروا أن يركبكم الغرورويستزلكمالشيطان، فتشوهوا بسوء تدبيركم محاسن هذه الثورة أو تقضوا على هذه السمعةالعاطرة.

إنحكومتكم الفتية منكم، تلقت تركة مثقلة بالتكاليف والتبعات فيوقتضيق لم يجاوز أسابيع، فأعينوها بقوّة، وانصحوها في ما يجب النصح فيه بالتي هيأحسن،ولا تقطعوا أوقاتكم في السفاسف والصغائر، وانصرفوا بجميع قواكم إلى الإصلاحوالتجديد،والبناء والتشييد، ولا تجعلوا للشيطان بينكم وبينها منفذا يدخل منه، ولالحظوظالنفس بينكم مدخلا.

وفقكمالله جميعا، وأجرى الخير على أيديكم جميعا،وجمعأيديكم على خدمة الوطن، وقلوبكم على المحبة لأبناء الوطن، وجعلكم متعاونين علىالبروالتقوى غير متعاونين على الإثم والعدوان.

قالتعالى: (وعد الله الذينآمنوامنكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم،وليمكننلهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركونبيشيئا).

أقولقولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم وهو الغفورالرحيم.

آخر التغريدات: