قالوا عنه

قالوا عنه

الشيخ البشير الإبراهيمي شخصية فذة، فقد أوتي مواهب عديدة، فكان خطيباً مِصْقعاً، وشاعراً مُفْلِقاً، وكاتباً لا يكاد أحد يدانيه في وقته، يشهد له بذلك كل من عرفه، وقرأ له. كما أنه ذو نفس مرهفة، وذو خلق عال، وأدب جم، ووفاء منقطع النظير.

وعن هذه الصفات يتحدث أبرز المعاصرين عنه :

 

أحمد طالب الإبراهيمي : (( لقد سمعت الشيخ العربي التبسي – نائب البشير في جمعية العلماء رحمه الله – يردد كثيراً في مجالسه: إن الإبراهيمي فلتة من فلتات الزمان، وأن العظمة أصل في طبعه)) ثم يواصل الدكتور أحمد قائلاً: (( والعظمة في رأيي تكمن في القلب، والحقيقة أن الإبراهيمي كان عظيماً بعقله، ووجدانه، وبقلبه ولسانه؛ فكل من تقلب في أعطافه نال من ألطافه؛ فالقريب، والرفيق، والسائل والمحروم، والمريد والتلميذ يجد فيه الأب الشفيق، والأخ الصديق الذي لا يبخل بجهده، وجاهه وماله – وإن قل- لتفريج الكروب، وتهوين الخطوب. وما تقرَّبتَ منه إلا ملك قلبك بحلمه، وغمر نفسك بكرمه قبل أن يشغل عقلك بعلمه، ويسحر لبك بقلمه. وكانت الخصال البارزة فيه الإيثار، والحلم، والوفاء))

ويقول ابنه الدكتور أحمد: ((سألني في إحدى ليالي عام 1948م وأنا بقسم الفلسفة في خاتمة تعليمي الثانوي عن آخر درس تلقيته في علم النفس، فاخذ رأس الموضوع، وشرح لي آراء ( وليم جامس ) أحد مؤسسي المذهب العملي ( البراجماتي )، وتحدث عن كثير من مفكري الغرب ممن لم أكن أسمع بهم قبل ذلك اليوم مثل: داروين، وجون لوك، وجون ستيوارات. كما أوضح لي مساهمة العلماء المسلمين في كثير من الجوانب)).

 

أحمد توفيق المدني : يقول عن الإبراهيمي عندما تبوأ كرسيه في مجمع اللغة العربية في القاهرة : (( فتقدم الإبراهيمي الأمين يحمل الراية باليمين، لا يأبه للمكائد والسجون، ولا يبالي بالمنافي في الفيافي. بل دخل المعمعة بقلبِ أَسَد، وفكرٍ أَسَدّ، ووضع في ميزان القوى المتشاكسة يومئذ تلك الصفات التي أودعها الله فيه:

– علماً عزيزاً فياضاً متعدد النواحي، عميق الجذور.

– واطلاعاً واسعاً عريضاً يخيِّل إليك أن معلومات الدنيا قد جمعت عنده.

– وحافظة نادرة عز نظيرها.

– وذاكرة مرنة طيِّعة جعلت صاحبها أشبه ما يكون بالعقل الإلكتروني.

– كدائرة معارف جامعة سهلة التناول من علوم الدين التي بلغ فيها مرتبة الاجتهاد بحق، إلى علوم الدنيا مهما تباينت واختلفت، إلى شتى أنواع الأدبيين القديم والحديث بين منظوم ومنثور، إلى أفكار الفلاسفة والحكماء من كل عصر ومصر، إلى بدائع المُلح والطرائف والنكت.

كل ذلك انسجم مع ذكاء وقَّاد ونظرات نافذة، تخترق أعماق النفوس، وأعماق الأشياء.

– وفصاحة في اللسان، وروعة في البيان، وإلمام شامل بلغة العرب لا تخفى عليه منها خافية.

– وملكة في التعبير مدهشة جعلته يستطيع معالجة أي موضوع ارتجالاً على البديهة إما نثراً أو نظماً.

– ودراية كاملة بجميع ما في الوطن الجزائري، يحدثك حديث العليم الخبير عن أصول سكانه وقبائله، وأنسابه، ولهجاته، وعادات كل ناحية منه، وأخلاقها، وتقاليدها، وأساطيرها الشعبية، وأمثالها، وإمكاناتها الاقتصادية، وثرواتها الطبيعية.

– كل ذلك قد تُوِّج بإيمان صادق، وعزمة لا تلين، وذهن جبار، منظم، يخطط عن وعي، وينفذ عن حكمة، وقوة دائبة على العمل لا تعرف الكلل ولا الملل.

هذا هو البطل الذي اندفعنا تحت قيادته الموفقة الملهمة، نخوض معركة الحياة التي أعادت لشعبنا بعد كفاح طويل لسانه الفصيح، ودينه الصحيح، وقوميته الهادفة )).


محمد رمضان البوطي :  أذكر عهدا كان اسم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي فيه مرتبطا في ذهني بالبيان الجزل والأدب الرصين والسبك العربي السامي, ثم لم تكن لي التفاتة إلى ما وراء ذلك من المعاني والأفكار السارية في داخله.

 كان ذلك في صدر حياتي , يوم كانت النزعة الأدبية ملء كياني, وكان هوى البيان العربي شغلي الشاغل..فلما لطف الله بي ونقلني من هوى التمتع بوعاء الأدب والبيان , إلى الاهتمام بما ينبغي أن يحويه هذا الوعاء من القيم وحقائق الدين وموازين العلم ، أصبحت أتجاوز الصور البيانية المشرقة في بحوث الشيخ البشير الإبراهيمي وكتاباته إلى الأفكار التي ينادي بها والقيم التي يدعو إليها, وأتتبع مواقفه الثائرة فيها على الاحتلال وذيوله.

 على أني مع ذلك لا أزال مأخوذا بالبيان العربي الجزل لهذا العالم الثائر الجليل , ولعلي لا أشرد إلى الغلو إن قلت : إنها مزية يعلو بها الشيخ الإبراهيمي على سائر علماء ومفكري عصره في الجزائر.

 

عبد السلام الهراس : الإمام الشيخ  البشير الإبراهيمي هو نتاج المدرسة الإسلامية المتسمة بالموسوعية العلمية، والمشاركة في جل العلوم الإسلامية مثل ابن رشد الذي كان يفزع إليه في الفقه مثل ما يفزع إليه في الطب والفلسفة, وقد أدركنا كثيرا من علمائنا المبرزين في كثير من العلوم وإن كان بعضهم يغلب عليه العلوم النقلية أو العقلية أو النحوية والأدبية… لذلك نجد أمثال الشيخ محمود محمد شاكر -رحمه الله- من كبار الشعراء والكتاب والمحققين في الأدب والتفسير والحديث..

وشيخنا الإبراهيمي من هذا النوع الذي كان يملك ناصية الأدب مثلما يملك ناصية التفسير واللغة والفقه والحديث والتاريخ الإسلامي.. وقد كان الرجل يعيش بروحه في أبراج الحضارة الإسلامية وثقافتها وبجسمه وعقله في العصر الذي يعيش فيه، وقد تمرس بالحياة واطلع على كثير من جوانب عصره في بلده وفي الحجاز والشام وغيرهما لذلك عندما اضطلع بقيادة جمعية العلماء بجانب الشيخ عبد الحميد بن باديس ثم وحده مع ثلة من هذه المدرسة الإسلامية الرائدة كان رجل المعركة المناسب وقائد المسيرة الموفق يدري ما يريد ويعمل وفق مخطط واع وأهداف محددة وخطوات محسوبة وقد أتاه الله قلما لو وجهه للأرواح المحتضرة لأحيائها وللعقول الزائغة لهداها وللإرادات الخائرة لقواها ولو رمى بها الخصم لأصماه والحقود الحسود لأعماه، قلم يحرك السواكن ويهيج الكوامن نفاخر به كبار كتاب العصور العربية الذهبية ونباري به الأقلام العربية المعاصرة الفذة بل إن قلم شيخنا يمتاز بغزارة العلم وتدفق المعرفة وعمق التجربة وتوقد الخاطر وجمال الفواصل واختراع المعاني وجزالة الألفاظ وجمالها وسمات أسلوبية وفكرية كثيرة تحتاج إلى دراسات علمية رصينه وقد كدت أن أقف مع أسلوبه الأخاذ النافذ في الأرواح والعقول إلا أني ارتأيت أن أتجاوز ذلك لرصد معالم من أفكار الرجل في ميدان النهضة أو النهضات لنرى أن جمعية العلماء بالجزائر كانت تعد هذا البلد لا ليتحرر من ربقة الاستعمار ولكن ليكون في مقدمة الأمة الإسلامية.

…. كما لا أنسى لقائي المبارك صيف 1954 كلا من الإمامين الشيخ الإبراهيمي والشيخ الشهيد العربي التبسي, الذي أنابه أخوه الإبراهيمي لإلقاء محاضرة في نادي جماعة عباد الرحمن، وكان لي الشرف بتقديم المحاضر الذي ترك آثارا حميدة وطيبة في الحاضرين كما أن الشيخ البشير هو الذي وجهني فيمن وجهني لمتابعة دراستي بكلية دار العلوم ، قال : فإن لم تجد كلية اللغة بالأزهر فإن لم تجد فعليك بكلية أصول الدين “.

 

عبد الرحمان شيبان : «الشيخ البشير الإبراهيمي، قبل أن يكون مفكّراً مصلحاً، وسياسيّاً محنّكاً: كان أديباً شاعراً، وخطيباً مفوَّها؛ عالماً فقيهًا في العربيّة، خبيرًا بأسرارها، متضلّعًا في آدابها وفنونها».

 


أسعد السحمراني: “الإبراهيمي واحد من الوجوه البارزة في هذه الجمعية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، عمل فيها لإيمانه بأهمية العمل المنظم الجماعي من أجل النهوض والتحرر بإعادة الوصل الحضاري بين الماضي والحاضر من أجل المستقبل”.


آخر التغريدات: